يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

39

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وتكلم رجل في مجلس الهيثم بن صالح فهذر ، فقال الهيثم : بكلام أمثالك رزق أهل الصمت المحبة . وأطال رجل الصمت فعيب به فقال : إن حظ الرجل في إذنه لنفسه وحظه في لسانه لغيره . وقال آخر : إنّ فوت الصمت أيسر من خطل القول . وقالوا : أبلغ الصمت ما يكون الكلام شرا منه . وقالوا : في الصمت أمان من تحريف القول ، وعصمة من زيغ المنطق ، وسلامة من فضول القول . وقال أبو نواس : خلّ جنبيك لرام * وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير * لك من داء الكلام إنما العاقل من أل * جم فاه بلجام شبت يا هذا وما * تترك أخلاق الغلام والمنايا آكلات * شاربات للأنام وتكلم رجل بين يدي معاوية رحمه اللّه فهذر ، فلما أطال قال : يا أمير المؤمنين أأسكت ؟ قال : وهل تكلمت ؟ ثم أقبل على جلسائه فقال : أما ترون هذا يعثر في كلامه بلسانه ويعثر لسانه بكلامه . وتكلم رجل في مجلس ابن عباس رضي اللّه عنهما فأساء الكلام ، فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما لغلام له : أنت حر لوجه اللّه تعالى ، فقال الرجل : ما سبب هذا الشكر يا أبا العباس ؟ قال : حمدت اللّه إذ لم يجعلني مثلك . ووصف رجل قوما فقال : منهم من يتقطع كلامه قبل أن يصل إلى لسانه ، ومنهم من لا يبلغ كلامه أذن جليسه . وقال كسرى أنوشروان : عي الصمت خير من عي الكلام . وقال آخر : أعيى العي بلاغة بعي . وسمع أعرابي رجلا يتكلم ويهذر ، ثم التفت إلى الأعرابي فقال له : ما البلاغة عندكم ؟ فقال له : خلاف ما كنت فيه منذ اليوم . وكان الأصمعي يقول : من جيد أمثالهم : ربما أسمع فأدع ، والصمت حكمة وقليل فاعله . والكلام في هذا المعنى كثير ، وربما أعيى من فيه أعنى . وقد تقدم فصل من هذا عند ذكر الشعر في أوّل الكتاب . ويروى أن رجلا كان يجالس الأحنف بن قيس وكان يطيل الصمت حتى أعجب به الأحنف ، ثم إنه تكلم فقال للأحنف : يا أبا بحر أتقدر أن تمشي على شرف المسجد ؟ فتمثل الأحنف بالبيت المتقدم : وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم ومثله أن رجلا كان في مجلس أبي يوسف وكان يطيل الصمت ، فقال له أبو